التأثيرات التقنية في التاريخ الثقافي
يسوغ لنا القول إن تاريخ الثقافة هو تاريخ تقنياتها، تاريخ وسائطها وأدواتها. فلقد أصبح من شبه المؤكد أنّ هناك تأثيرا حاسما للمخترع التقني في بناء الثقافة وتحولاتها. إذ يتحدد العامل التقني باعتباره من أهم المتغيرات الفاعلة في وقائع التغير الاجتماعي والثقافي. فالدور الذي تلعبه التقنية لا يتجسد في اسهامها في انتشار المعنى أو تأبيده وحسب، بل أيضا في تشكيله وانتاجه. ليست التقنية محايدة. إنها فاعلة إلى الحد الذي تكاد تذوب فيه الفواصل والحدود بين المعنى والدلالة من جهة، والوسيط التقني التي تتجلى من خلاله تلك المعاني والدلالات من جهة أخرى.
يمكننا رسم المسارات التي تسلكها الثقافة بالتحولات التقنية. مع كل طارئ تقني يولد فضاء وزمن ثقافي جديد. إنّ شيئا ما يموت في كل مرة تنجب التقنية فيها وليدا جديدا. “فهذا سيقتل ذاك” وفق العبارة اللاذعة لفيكتور هوغو. كأن تقتل الكتابة الذاكرة، والصورة تقتل الكتابة. لا يعني ذلك إحداث قطيعة تامة، فالثقافة كما هو معروف تنزع نحو الاستمرار والبقاء. بل معنى ذلك نشوء تشكلات جديدة من شأنها إعادة صياغة محدثة للثقافة وعناصرها. من هنا أمكن الحديث عن تاريخ. وصار بوسعنا الحديث -مثلا- عن تحول ثقافي وقع قبل ما يقارب الخمسة آلاف سنة مع ظهور الكتابة. فالكتابة باعتبارها مخترعا تقنيا تفصل بين ثقافة شفاهية تقوم على الذاكرة لحفظ المعنى، وثقافة كتابية تقوم باستبدال الذاكرة بالكتاب، والشعر بالنثر، والأعراف الشفهية بالمدونة القانونية. بحيث أمكن استجلاء الدور المفصلي الذي لعبته الكتابة في تنظيم المجتمع وفق ما ذهب إليه الأنثروبولوجي جاك غودي، في دراسته الشهيرة “منطق الكتابة وتنظيم المجتمع”.
ومع اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر صار بوسعنا معاينة تلك التأثيرات الثقافية والاجتماعية الحاسمة في العصر الحديث. لقد رأى “بنديكت أندرسون” أنّ تقدم تقنية الطباعة يمثل أحد عوامل نشوء القوميات الحديثة، وذلك إلى جانب تحولات أنماط الإنتاج. فقد كان للطباعة أهمية بارزة في ظهور مخيال جماعي قومي مركب من السرديات الخاصة التي يعاد بناؤها باستمرار. وذلك لتشكيل وتثبيت الهويات الوطنية. وصار ممكنا الحديث عن هوية ثقافية تتعالى وتوحد بين المكونات الاجتماعية المحددة وفق الطبقة أو الدين أو السلالة.
ومع تقدم التقنيات الرقمية في بداية القرن الواحد والعشرين أمكن الحديث عن دخول زمن ثقافي جديد هو الزمن السيبراني. حيث كل شيء يتكون ويتحول في خضم تشابكات افتراضية، من شأنها أن تحيل الثقافة إلى كينونة سيبرانية. تلك التي تُخبأ في الجيب على هيئة هاتف محمول، يمنح العطايا ويلبي الرغبات بلمسة سحرية. إنه زمن مفتوح على الممكنات. فالفضاء السيبراني إذ يتشكل يوما بعد يوم يثير فيضا من النظر والجدل والتوق إلى الممكن. وعلى ذلك فهو يبدو مثل ماهية متعالية مفتوحة على وفرة من التأويلات والقراءات النقدية.
سمات الثقافة السيبرانية
ينفتح الفضاء السيبراني على الكائن بتوسط الشاشات الصغيرة للهواتف الذكية المحمولة التي تمثل ذروة التطور التقني المعاصر. فهي حوامل تقنية تتسم بسرعة الانتشار، وسهولة الاستخدام، وانخفاض السعر. الأمر الذي جعل منها وسيلة لتوحيد ثقافي يطال الكوكب، وهو ما بات يعرف بالعولمة الثقافية. حيث تشكل التقنيات الرقمية إحدى وسائل العولمة في سيرورة انضغاط الزمان والمكان بحسب تعبير “ديفيد هارفي”. ورغم أن العولمة الثقافية هذه -بصفتها ظاهرة تتخطى المحلي والخاص- ليست حدثا طارئا وجديدا، فالتطورات التقنية التي شهدها التاريخ قد أسهمت في سيرورات تعميم ثقافي من شأنها إضفاء طابع عالمي على الثقافة، كما هو الحال مع الثقافات الكتابية كالثقافة اليونانية والثقافة الإسلامية وغيرها. غير أنّ الجديد في الثقافة السيبرانية لا يكمن في مضمون التثاقف وإنما في شكله، وتحديدا في الطابع المتسارع لعمليات العولمة الثقافية.
تبدو هذه التقنيات، بناء على ما تقدم، فائقة القدرة على التأثير. إنها لا تشكل امتدادا للجسد شأن ما اعتدنا عليه من سائر الآلات، وإنما تحلُّ محله حينا، وتصوغ عالما موازيا حينا آخر. يُبنى العالم افتراضيا. ويُستبدل التشريح البنيوي للمجتمع بتشريح سيبراني. فلقد أصبح الهاتف المحمول هو بوصلة الروح في العصر الحديث.
سنرى مع المفكر الفرنسي “ريجيس دوبريه” الذي رأى أن للصورة في ثقافة العصر الحديث حضورا قويا، أنّ ذلك العالم السيبراني هو أيضا كلي الحضور. لكنه حضور يخترقه الوهم. تُوهِم كلية الحضور السيبراني بالفاعلية. تُوهِم بما يتجاوز الفرجة نحو الفعل. ذلك الفعل الذي يبدأ وينتهي برمشة عين ولمسة إصبع. وكل ذلك على نحو شبه سحري. تحمل الشاشة الكائن على أجنحة التطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي والصور والفيديوهات القصيرة إلى شتى أرجاء العالم. وعليه فإن هذا الكائن المحظوظ سيتسم بالسحر والسعادة، كما بيّن ريجيس دوبريه، فقد أصبح -أخيرا- فعالا، بقفزات سحرية متعالية على المكان والتاريخ.
لكن الطابع السحري للشاشة الجيبية يتضافر مع رؤية شبه لاهوتية. ذلك لأنها لا تتوقف عن الوعد. لا يهمّ إن كانت تفي بوعودها، يكفي أنها تعد وحسب. وبالتالي فهي تشكل فضاء لرؤى خلاصية. الخلاص من المشقة والجهد والتعب، ولكن أيضا من العزلة: نظرة واحدة كفيلة بأن “ترى معها نبض العالم، وترمي بك في قلب الأشياء”. فهذه الثقافة كلية الحضور تحيل العالم إلى أن يبدو ممسوكا بالعين.
إنّ هذه الثقافة بصرية على نحو أساسي. فهي تعجّ بالصور، وهذا يعني أنها معنية بالحاضر. فهي تعطي أولوية قصوى للراهن. تشع الشاشة بنور الحاضر حد تحويله إلى كينونة متعالية. لقد كانت الكلمة فيما مضى توحي بحضور أبدي لكينونة متعالية. فالحقيقة لم تكن يوما داخل النص. كانت خارجه، وكانت الكلمة تحيل إلى غيرها. فأصبحت الشاشة اليوم تحيل إلى ذاتها، وتوحي بأبديتها هي، أبدية الحاضر الآني، الحاضر الومضي الذي ليس له عمق تاريخي ولا أفق مستقبلي، الحاضرُ الذي أصبح الآنَ مطلقا.
ولكن يتوجب أن نميز هنا بين الحاضر المرئي والحاضر المعيش، فما يسود في الفضاء السيبراني، عند فئات كثيرة، هو أقرب إلى الحاضر المرئي منه إلى الحاضر المعيش، ذلك الذي يمكننا القول إنه يتسم بسمات أساسية هي الفعل والمشاركة الفعلية والحضور الجسدي المباشر. والانغماس في هذا الحاضر المرئي يقطع صلات الوعي بالماضي والمستقبل، فلا يتأتى له تحليل الماضي نقديا، ولا استشراف المستقبل ووضع رؤى وخطط استراتيجية لمواجهة تحدياته.
من الأمن الثقافي إلى التفاوت الطبقي.. مقاربات تحليلية نقدية
وهكذا مع انتشار الهاتف المحمول الذكي في كل مكان، أمكن للمرء أن يحمل العالم في جيبه. وباتت البنى الاجتماعية الصلبة تذوب في سيولة تخترق حصون الهويات الجماعية وتكسر الحدود والحواجز الثقافية: صور تتدفق، سلع، أنماط حياة وأساليب وقيم وسمات ثقافية. مما اشاع نوعا من الرعب، دفع بعض المثقفين العرب، كالمفكر المغربي “عبد الإله بلقزيز”، إلى الحديث بنبرة قلقة عن ضرورة التفكير في الأمن الثقافي العربي ضد كل أخطار هذا الغول السيبراني المعولم.
وقد تثار هنا اعتراضات، وهو ما ألمح إليه “بلقزيز” في مقاربته. إذ توحي مقولة الأمن الثقافي بمعاني الانكفاء والانغلاق على الذات. كما يمكن القول -إضافة إلى ذلك- أنّ الثقافة لم تكن يوما نقية، لم تكن ماهية جوهرانية ثابتة. إنها دائما عرضة للتثاقف، وبالتالي التحول. والهويات هي دائما وابدا مركبة، فالذات هي عينها الآخر. أما التجانس الثقافي فلا يوجد إلا في عقول الفلاسفة وعلماء الاجتماع. رغم ذلك فإنّ الظاهرة السيبرانية بكل سيولتها واتساعها وسرعتها تبدو عند “بلقزيز” حدثا طارئا وصادما مثيرا للقلق والخشية على الذات. وما يقلق هو هذا التسارع نفسه، ذلك الذي يربك الزمن الثقافي الذي يفترض به في الحالات الاعتيادية أن يكون بطيئا، فإذا به يبدو في عصر العولمة متسارعا بحيث يقوض أو يوهن العمليات الضرورية في كل تغير ثقافي، كالاستيعاب والاندماج والتثاقف. فإذا كانت العناصر اللامادية في الثقافة تتسم في حركتها بالبطء، فإن زمن العولمة يقوض هذه السمة، فيصيب الزمن الثقافي بوتيرة متسارعة، إلى الحد الذي يكاد يبطل أو ينتفي معه التباين الإيقاعي الذي لاحظه وليم أوجبرن بين العناصر المادية والعناصر اللامادية في التغير الثقافي. كما لو أن ذلك لم يعد قائما في عصر العولمة.
في سوسيولوجيا الثقافة تشكل السمة أو العلامة الثقافية وحدة تحليلية صغرى. ترتبط بنائيا بسمات أخرى، فتشكل مركبات ثقافية. تلتئم هذه الأخيرة مجتمعةً على نحو عضوي في كليات يشكلها التاريخ في هيئة نماذج ثقافية كبرى. غير أنّ الفضاء السيبراني -كما يقال- لا يعبأ بذلك. حيث يجري تدويل السمة فتصير عائمة دون عمق أو سياق. لقد أمكن للمتصوف والشاعر المسلم “جلال الدين الرومي” أن يشبع نهما روحيا في مجتمعات يُنظر إليها باعتبارها متشبعة بالمادة، كالمجتمع الأمريكي. وربما تفوق شعر الرومي على نصوص الشاعر الأمريكي “والت ويتمان”. وجالت الرياضات الروحية الهندية أرجاء العالم السيبراني. فنُزعت “اليوغا” من حضنها الفلسفي والديني العتيق لتبدو مثل رياضة خالصة.
إنّ السمة الثقافية لا تنتزع من سياقها إلا وهي تخلق الجهل. من الممكن متابعة تحليلات المفكر الفرنسي “أوليفييه روا” بشأن الأصوليات الدينية المنتشرة والعابرة للأديان باعتبارها نتاجا لجهل مركب: الجهل بالجهل ذاته. نستطيع أن نحدد الأصولية الماضوية ونعرّفها على نحو اجرائي باعتبارها محوا راديكاليا لكل تراكم تاريخي. المعنى يبدو في رحاب الفكر الأصولي كما لو كان مطلقا. فالأصولية التي تمقت التاريخ تجعل من العلامات الثقافية بلا تاريخ. إنها عملية اقتلاع شرسة للسمات الثقافية من منبتها الاجتماعي وتحولاتها التاريخية.
على هذا النحو تنتشر الأصولية بسهولة في هذا المناخ السيبراني. ففي هذا الفضاء ثمة كثافة ثقافية لا ينكرها أحد. إذ تنتشر العلامات ويتم تداولها على نحو مكثف، ولكن بعد أن تنتزع من جذورها التاريخية والثقافية. فالتداول الحر للمعلومة وتفشيها في فضاء معولم ينزع السمات الثقافية من سياقها، ويجعلها تعوم في فضاء مفرغ من التاريخ والاقتصاد والثقافة. وإذ يتلاشى الإكراه في الفضاء السيبراني، أو يصبح بلا معنى، كما يقول ” أولفييه روا”، فإن الثقافة تستهلك في سوق تتسيد هذا الفضاء لتعيث فيها فوضى واختلاطا، فتؤول الثقافة المعولمة إلى سديمٍ من “الجهل المقدس”، وهو العنوان الذي اختاره “روا” لكتابه.
إنّ الجهل المقدس أو “المثقف” قد يستحيل إلى تفاهة. فنحن موعودون في هذا الفضاء بتسطيح العقل وتقويض ملكاته النقدية والتأملية. تلك التفاهة -وقد ارتقت إلى رتبة الفكر- تنجم وفقا للفيلسوف الكندي “آلان دونو” عن الوسطيات الرديئة الشائعة في المنصات الرقمية. تلك التي تضرب جذورها في المجتمع المعاصر. ففي الفضاء السيبراني تنقلب شروط الفكر. تحلّ السرعة محل البطء الذي يقتضيه التأمل. وبناء على ذلك، أخذ التبسيط يتفشى في سياق تغيب عنه أدوات التحقيق. صار كل شيء باهتا، مفرغا من اليقين. القضايا الفكرية الشائكة التي يتم تناولها عبر مناظرات وكتب ومساجلات وتفاعلات فكرية تمتد لأجيال، تحسم مرة واحدة وإلى الأبد في قطع نثرية صغيرة تتسم بالثقة المفرطة وتنشر على منصات “فيس بوك” أو “تويتر”. تُنتحل حكم مزيفة على أسماء ورموز كبرى. تُقلب وتُشوه المقولات العميقة في خضم ظاهرة ثقافية نلمس حضورها هنا وهناك: يمكننا أن نرى سقراط وقد صار ضد نفسه. وأبيقور يتنبأ بالرهافة المعرفية لمادية ماركس. وأينشتاين يشيد بالعقل الرياضي لحكيم القرية.
هذه الرداءة والوسطية لا تعيد تشكيل التاريخ الثقافي على نحو مشوه وحسب، بل تقوم بتشظية الوعي وتهشيمه وتفتيته. وذلك بتحويل المضامين الثقافية إلى مادة بصرية للاستهلاك المتعجل. بحيث يجري إغراق المتلقي بفيض لا نهائي من المعلومات المتنوعة، ليجد ذاته مشتتا بين محتويات متنافرة، لا يبدو أن شيئا يجمعها سوى المنصة ذاتها، كما هو شأن المنصات التي تبث الفيديوهات القصيرة.
يكشف التدفق السيبراني عن نمط خاص للكينونة، مفاده هوس تملك الأشياء، فأن تكون يعني أن تقتن. الاستهلاك وحده هو “الصورة الرئيسة للتعبير عن الذات”. إنها أنطولوجيا تدفع نحو فحش الثروة. ثمة ما يكشف هنا عن سلوك استعراضي يبدو مثل وقاحة طبقية. تتبدى في يوميات للتفاخر بالثروة وتضخيمها. سرديات متبجحة تستطبن عنفا رمزيا، خاصيته الأساسية -كما يقول السوسيولوجي الفرنسي “بورديو”- حجب علاقات القوة المتأصلة فيه. ويمتزج العنف بنوع من اللامبالاة، مادامت الضحية غير واعية بتعنيفها.
لقد أسهمت الشاشة التي بوسعها اختراق كل منزل في انكشاف التفاوت الطبقي. إذ تعرض مسرّات المحظوظين في فراديس العالم. تظهر نجاحهم وفرحهم اليومي. وللمطرودين ومنكودي الحظ الفرجة، كما يقول دوبريه.. يتحتم عليهم وهم في أماكنهم أن يستبدلوا متعة الوجود بمتعة النظر. إذ ليس لهم سوى أن يشاهدوا أو أن يكونوا شهودا على “مزايا الآخرين”، أو الانهماك في مقارنات دائمة بالآخر الطبقي الذي لا يتوقف عن استعراض امتيازاته ونجاحاته. إنّ النجاح برهان ذاته. والتفاوت واقعي فهو-إذن- حق. ذلك أنّ “مسار التاريخ هو أيضا محكمة التاريخ”. وعلى هذا النحو تعمق الشاشة وشتى التقنيات الرقمية التفاوت الطبقي ناقلة إياه من حيز الحي أو القرية، إلى ما يتجاوز الحدود الفيزيقية للمكان التقليدي وسماته السوسيولوجية.
وإذ يقضى التاريخ بأن الربح حق، فإنّ الجهر بمسرّات الحياة هو القاعدة الذهبية، وذلك يعني أن الحكمة الأخلاقية السائدة ستبدأ دائما بفعل الابتسامة. هكذا نلحظ طوفانا من التصوير الذاتي أو “السيلفي” يملأ الفضاء السيبراني. صور زاهية لوجوه تبتسم. والابتسامة تظهر عفوية أو مفتعلة. الابتسامة ضرورة حتى وإن كانت زائفة. فالكينونة هنا تعني -حصرا- السعادة والفرح. والكائن في عالم “السيلفي” مفتتنٌ بذاته. إنه نرجسي، متوحد يعشق ذاته، ويحيل إليها حد محو الواقع. إنّ الواقع عنيد، إنه مادي كثيف، وهو غالبا مغاير للتصورات الذاتية. لكنه مع تفاقم التوحد النرجسي بالذات يختفي ويتلاشى. هذا الاختفاء يسميه دوبريه “مثالية مطلقة”. حيث يبدو العالم وقد أصبح -فعلا- تصورا ذاتيا. والواقع الذي هو خارجي يبدأ وينتهي داخل الذات. لكن عناد الواقع هذا بكل ما يتسم به من كثافة مادية لا ترحم قد يخذل الذات، فيصدم توقعاتها وتصوراتها عنه، ليتركها ضحية لجروح نرجسية غائرة.
هذا المآل ليس وحده ما تؤدي إليه مسارات “السيلفي”. فالنرجسية تقترن بداء آخر هو التلصص والفضول وقضاء الوقت في العثور على ما يمكن أن يشكل انتهاكا لحميمية الحياة اليومية، في نسخة سيبرانية مما كان يعرف بتلفزيون الواقع، حيث يوشك التعري على أن يكون تفاخرا وفضيلة.
ليس التلصص عاهةً سيبرانيةً وحسب. فهو يعيد بعث سيكولوجيا بدائية كنا نظنّ أنّ عهدها انطوى. إنها سيكولوجيا الفراسة التي تجعل المظهر مرجعا أوحدا. ينوب المظهر اللحظي عن الجوهر القصي المختبئ في الباطن أو الوجود. الأمر الذي يعني أنّ من الطبيعي اقتران الانفعال بالحقيقة/ العلامات العرَضية للوجه بالعمق السيكولوجي/ الجمال الجسدي بالخير، والقبح بالشر. وبالتالي صار من اللازم طرد كل تلك الوجوه الشاحبة غير المؤهلة لنظام الحقيقة الراهن. فالحقيقي في العقل السيبراني “الخالص” هو الوجه المبتهج، هو المرئي السعيد.
نحو رؤية جدلية
يقتضي التفكير في العالم السيبراني بصفته عالما للمرئي تعليق الرؤية نحو رؤية الرؤية. وضع البصر بين هلالين والشروع في عملية تفكير جدلي شمولي تحيط بقضايا هذا العالم. تلك التي يشبهها دوبريه بقضايا العالم الميتافيزيقي، والتي أخضعها كانط للجدل المتعالي، كالعالم والعلّة الأولى والروح. وهذا يعني أنّ كل مسارات الجدل المتعارضة لا تقبل التفنيد. يتعلق الأمر بعمى إرادي. عتمة تفتح العقل على مصراعيه. فالتفكير في الثقافة السيبرانية، تلك الثقافة ذات الطابع البصري، يتوجب أن يكون خارجها. الحق شقيق “الأعشى”. والحقيقة لا تمنح ذاتها جدليا إلا عندما يموت البصر. وعلى هذا النحو يصوّر “أبو حيان التوحيدي” الحقَ في صورة “فيل”، أراد حشد من العميان القبض على ماهيته، “فأصاب منه كل إنسان بجهة”.
وهكذا يتشكل الوعي بالخروج من حيز المرئي نحو رؤية جدلية. هذا الجدل ليس نسبيا على نحو تام، وإنما يقتضي القول بالشيء متبوعا بأداة استدراك: لكن، غير أنّ، الخ.. وصولا إلى نفي النفي والتركيب، حيث يولد فضاء سيبراني مغاير. فإذا كانت التقنيات الرقمية واسعة الانتشار بحيث أعادت تشكيل خبراتنا وتصوراتنا للزمان والمكان، فأنها أدت في الآن نفسه إلى تشوهات وارتباكات في عمليات الثقافة وتحولاتها. والرؤية الجدلية هنا لا تقف عند حدود القلق الثقافي، بحيث يؤدي بنا إلى الانغلاق والعزلة، ولا هي دعوة رومانسية تضفي على التقدم التقني طابعا مثاليا، بل هي دعوة للمزيد من التفاعل والانخراط النشط والمسؤول، كأن نواجه -مثلا- تسطيح الثقافة بتعميقها، وظواهر الاستغلال والاحتكار بنظم أكثر ميلا للمساواة والعدالة الاجتماعية، وكل ذلك لكي يتأتى لنا الانتقال من عولمة “الهيمنة” إلى ما يمكن أن ندعوه بعولمة “الشراكة”.
وفي هذا السياق الجدلي يمكننا القفز إلى ممكنات الغد، إلى عالم لم يولد بعد، ذلك لأن الجدل يقودنا إلى استشراف مسارات المستقبل. ففي هذا الفضاء السيبراني الذي تظهر فيه بصفاقة شتى التفاوتات الاجتماعية، وترقص الثروة مختالة متبجحة، وحيث يشيع الآني والسريع والمغري المترع باللون المشرق، وحيث تبدو الصورة -مثلما لاحظ دوبريه بعمق- فاشية تفرض ذاتها بقوة.. هذا الفضاء نفسه الذي يشكل -بما فيه من شبكات اجتماعية- مورفولوجيا مجتمعات العصر الحديث وفق مفهوم السوسيولوجي الاسباني “مانويل كاستلز”، حيث الكائن السيبراني ليس متلقيا منفعلا سلبيا وحسب، وإنما هو أيضا كائن نشط منخرط دائما في تحويل الثقافة السيبرانية إلى قوة مادية.. هذا الفضاء هو ذاته الذي يمكن أن يشكل حيزا لممكنات آتية، ممكنات للأقل حظوة، للسلالة الخاسرة في “محكمة التاريخ”.