العمران المدني _ بقلم: الاستاذ الدكتور إسماعيل بن السيد خليل كتبخانة _ أستاذ علم الاجتماع

تاريخ النشر: 25 يناير / 2026

تعتبر مقدمة ابن خلدون عملاً تأسيسيًا في العلوم الاجتماعية، وهدف علم العلوم فيها هو تقديم فهم للنظام الطبيعي للحضارات وكيفية صعودها وانحدارها وتحولها. ويتحقق ذلك من خلال دراسة شاملة للعمليات التاريخية والاجتماعية التي تشكل المجتمعات البشرية، بما في ذلك تطوراتها الاقتصادية والسياسية والثقافية. يرتكز علم العلوم في المقدمة على فكرة أن التاريخ البشري هو عملية دورية تحركها ديناميكيات داخلية، وأنه من خلال دراسة هذه الديناميكيات يمكن للمرء أن يكتسب فهمًا أعمق لطبيعة المجتمع والقوى التي تشكله.

فقد اهتم ابن خلدون بالمُدن والمستوطنات السكنية وطُرق تنظيمها؛ ولبنائها الصحيح حددّ تسع نقاطٍ أساسية:

الموضع والموقع: إذ أن بقاء المستوطنة وديمومتها يتحدد من خلال قدرتها على تقديم لسكانها؛ وهناك فرق بين الموضع والموقع فالموضع يعني المكان الذي تشغله مساحة البناء وتتموّضع به أمّا الموقع فهو مكانُ المُدن والمستوطنات بالنسبة لمحيطها وما تتفاعل معه من المساحات القريبة بصورةٍ مباشرة أو غير، كما على التجمع السكني أن يحوي على مقومات الحياة لساكنيه مثل المياه وآمان الموارد الغذائية وقدرة استيعاب تربية المواشي والهواء النظيف خشية إصابة السُكان بالأمراض، ويضرب مثالاً عن المُدن الأولى في الإسلام حيث دخلها الفاتحون ولم يوّلوا اهتماماً إلا لتناسب المكان مع حاجاتهم من توفر الماء ومراعي الإبل ولم يُراعوا أهمية الموارد بالنسبة لأهل المُدن كالقيروان والكوفة وغيرهم. كما لمكان المدينة الاستراتيجي دورٌ هام لحماية المدينة من الأعداء؛ فإذا كانت داخليةٍ لا تُطل على بحر فيجب أن تُحصن وفق ما يفرضه الواقع الحغرافي عليها،اما إن كانت ساحلية فيجب اختيار الموضع والموقع بعناية فائقة ليتناسب مع وجود تحصيناتٍ فلا تلجها أساطيل العدو.

البناء الوظيفي: قصد ابن خلدون ببناء المُدن وظيفياً الكفاءة؛ كفاءة المستوطنة للعيش فيها وحماية سكانها من الأضرار سواء كانت أضراراً بشرية ناتجة عن هجمات أم أضراراً طبيعية أدت لحدوثها الرياح والعواصف وما شابههم أو أضراراً صحية كانتشار وباء مُعين، والحلُ لهذه المشاكل يكمن في توفير الخدمات للتجمعات السكنية بشكلٍ جيد وإلاّ كانت أماكن لا تُقدم السلام لقاطنيها، ورغم تأكيده على ضرورة امتلاك المُدن للخدمات الوظيفية إلاّ أنّه قسَمَها وفق تخصاصاتٍ فبعض المستوطنات تتميز عن غيرها بقدرتها وأهليتها لإنجاز نوعٍ مُعينٍ من الوظائف بغض النظر عن انتسابها الإقليمي أو المكاني أو حتّى العالمي وفي حالة فرضِ وظيفة مُعينة على التجمع السكني لاعتبارات انتمائية فقد تتدهور الحياة بها وربّما تفنى المدن “قد استقرينا في العمران أنّ الدّولة إذا اختلّت وانتقضت فإنّ المصر الّذي يكون كرسيّا لسلطانها ينتقض عمرانه وربّما ينتهي في انتقاضه إلى الخراب ولا يكاد ذلك يتخلّف”. وللحاكم دورٌ في ذلك فقد تتبدل أحوال الحُكم في الدوّلة وسعياً للطمأنينة على الحكم الجديد قد يلجأ الحاكم لتغييّر وظيفة المدينة التي ازدهرت بها وبذلك يرمي المدينة إلى الخراب فبعض المدن لها وظائف بالغة الأهمية بالغة مثل المدن التي عُرفت بالتجارة أو بالدفاع أو بالصيد أو بالسياحة دينياً. فإن ابن خلدون اهتم لطابع المُدن الديني فالوظيفة الدينية تستقطب وظائف أُخرى تجارية وسكنية وخدمية والمنشآت الدينية هي مظاهر ذات قيمة روحية وعمرانية تتجاوز المرحلة التي ظهرت فيها، فهي تُمثل ملجأً روحياً لسكان المدينة ومكاناً للمارسة الرياضة النفسية التي تخلق انتعاشاً في النفوس وتجديداً في الحياة الاجتماعية بصفاء ذهني فتدفع بالدولة إلى الازدهار.

دراسة مراتب المدن: تكلم ابن خلدون عن مراكز الاستيطان وطبيعة توّزع السكان بها؛ فهناك مراكز مبعثرة الانتشار السكاني تُمثل السمتوطنات القاصية، ومراكز أُخرى منظمة تمثل المستوطنات المركزية ولها أهميةٌ أكبر بكثير نتيجة خدماتها الواسعة التي تقدمها للإقليم، هذا الفرق يجمع المستوطنات القاصية مُعتمدة بكشل كبير على المدن المركزية وهذا البعد لها تأثيرات عديدة في وسائل النقل وطبوغرافية المستوطنة. أمّا العواصم فهي المراكز الأكثر تعلمقاً فهي مقعد الحُكم وتثل قمّة الإدراة وتتجاذب نحوها كل الوظائف ويزاداد التجاذب مع ازدياد مركزية نظام الحكم كما يحدد التجاذب الكبير شكل العاصمة عُمرانياً وخدمياً ويوُّضحُ الهوّة بينها وبين المستوطنات القاصية التي تزداد تقزماً مع كل توسعٍ لدور العاصمة الخدامتي.تطوّر العاصمة والمدن المركزية على حساب الأرياف أو المستوطنات القاصية يجعل من الأخيرة مكاناً لانتشار البداوة بسبب بعد الحضارة عن مذاهبها.

مورفولوجية المدينة: فهم ابن خلدون العلاقة الجدلية بين الوظيفة والشكل في بناء المدن والمستوطنات؛ فقلّة عدد السكان ستؤدي لخللٍ ونقص في وظيفة المستوطنة ما يعني انحساراً في الهجرة إليها أو السكن بها وهذا ينعكس على عمرانها وتطوّر أبنيتها وبالتالي يبتناقص استيراد مواد البناء الجديدة لها وسيعمد سكانها القلائل لهدم أبنية قديمة واستخدام موادها في أبنية جديدة فيقللّون من أهمية مدينتهم التراثية ويبتعد السكان شيئاً فشيئاً عن الحياة الحضرية.

وشكل المدينة يتقاطع مع كل وظائفها فمثلاً تستلزم الوظيفة الدفاعية بناء أسوارٍ للبيوت وللمدن وهذه الأسوار ستُكسي المدينة شكلاً عمرانياً فريداً يميزها عن غيرها وعليه فإن كلّ وظيفيةٍ تعطي بصمّة خاصة لشكل العمران في المدينة، وهذا العمران يعكس إمكانية الدولة ودرجة إنتاج أبنائها والتنظيم ضمن نشاطٍ مركزي موّجه إضافةٍ للقابيلة الهندسة والمعمارية وكل هذه العومل تتوفر إذا كانت المراكز الاستيطانية تنفذ وظائفها بأفضل صورة.قد يصل العمران لمستوى تطور متغطرس ومتعالي نتيجة كثرة الموارد المالية والتنظيمة، وهنا يربط ابن خلدون في الفنون العمرانية بينما هو ماهر وبين ما هو قاصر فمن الأبينة ما هو غثٌ وسمين، وهذا يعود لقوة الدولة والمشرفين على بنائها والمهندسين المُنظيمن.

المرافق والخدمات والبيئة: إن أكثر ما ميّز تخطيط ابن خلدون للمدن هو الاهتمام براحة السكان عن طريق تأمين الخدمات لهم وهذه مسؤوليةُ القطاع العام،فأكثر ما يهم في تخطيط المدن هو إبعاد السكان عن كل ما يقلق راحتهم ويهدد مواردهم دون نسيان أن أهم هذه الموارد هي الماء فهو أهم عناصر الحياة وأكثرها حمايةً للصحة،إضافة لكثرة المراعي وخصوبتها وذلك حرصاً على أرزاق الناس من الماشية والدواجن ويجب أن تتوفر للمدينة أيضاً المزارع فهي تُمثل قوت يومهم أما من المضار فهي تعرض المدن للغزو والحرب ولذلك يجب بناء دفاعاتٍ جيدة عنها،إضافة لحماية السُكان من الآفات السماوية المُتملثة بالمشاكل الطبيعية بكافة أشكالها ويُساهم الهواء النظيف بشكل كبير في ابتعاد المدن عن هذه الآفات “وممّا يراعى في ذلك للحماية من الآفات السّماويّة طيب الهواء للسّلامة من الأمراض.

القطاعين الخاص والعام: بإيجازٍ وشرح مختصر رآى ابن خلدون أن التكامل بين ما يمكله الناس وبين ما تُنفذه الدولة أساساً لاستقرار المستوطنة البشريّة، وتحدث عن أهمية اشراك السكان بمراحل التخطيط في كل مشاحة الدولة طالما أن العمل أولاً وأخيراً سيكون للمواطنين. في حديث عن البنايان في الدولة أكثر من ذكر المصانع والمنازل والدور والقصور وقصد بالمصانع والقصور الأبنية العامة بينما المنازل والدور هي للقطاع الخاص. “فلا بدّ في تمصير الأمصار واختطاط المدن من الدّولة والملك”.

التخطيط ومستلزماته القانونية: كان ابن خلدون سباقاً في فهم الأبعاد البشرية للتخطيط وقراءة علاقة الإنسان بالأرض؛ ففي البعد المكاني رتَبَ التخطيط وفق المساحة فمنه التخطيط القومي الشامل لأراضي الدولة كلها نزولاً للتخطيط الإقليمي وصولاً للتخطيط المحلي،وقد قرأ ابن خلدون الإهمال في تخطيط المناطق النائية وهو ما عالجه من خلال التخطيط الإقليمي الساعي لفرض نوعٍ من التوازن في العمران بين المستوطنات الكبيرة والصغيرة. أمّا في البعد المكاني فقد ميز بين المديين القريب والبعيد فما نراه من طرح لمشاكل المستوطنات وحلولٍ لها هو تخطيط قريب الأجل والتخطيط البعيد هو المُتمثل في تكامل جهود الأجيال لتشييد منجزات عملاقة “الهياكل العظيمة جدا لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة والسّبب في ذلك ما ذكرناه من حاجة البناء إلى التّعاون ومضاعفة القدر البشريّة”. وأمّا في البعد البشري فإنّ الهدف الأساسي للتخطيط هو حماية سكان الدولة من الأذى وتطوير اقتصادهم والحرص على سلامتهم.

المدينة كائن حي: رآى ابن خلدون في المستوطنات والمدن عوامل داخلية وخارجية تؤثر في نموها أو انكماشها فالمدن لا تتكون من أشياء تتسم بالجمود فقط مثل الشوارع والأبنية بل هي تمتلك فعلاً ورد فعل داخل رقعتها الجغرافية أو داخل إقليمها، فشق طريق أو إنشاء سوق لا يؤثر على عمران المدينة فقط بل وعلى سكانها وإقليمها ويمتد ليؤثر على العلاقة بين المدينة والإقليم.”قد استقرينا في العمران أنّ الدّولة إذا اختلّت وانتقضت فإنّ المصر الّذي يكون كرسيّا لسلطانها ينتقض عمرانه وربّما ينتهي في انتقاضه إلى الخراب ولا يكاد ذلك يتخلّف”.

العلاقة بين المدينة والإقليم: اهتم ابن خلدون بالعلاقة القائمة بين المدينة وإقليمها باعتبار ازدهار المدن أساس نهضة الأقاليم، وميز بين الأقاليم محدودة الجغرافية وبين تلك الممّتدة على مساحات أوسع،ومن خلال ربطة بين الكفاءة والوظيفة نجح في تنظيم البعد المساحي للإقليم فوظيفة المدن المُنتمية لاقليم واسع تختلف عن تلك المنتمية لإقليم ضيق، وإن من أهم وظائف الإقليم توفير الموارد للمدن والمستوطنات لتحقيق الازدهار والديمومة وعمل المدينة لما وُجدت لأجله ما يعني أهمية العلاقة الإيجابية بين المدينة وإقليمها الذي تنتسب له على أن تكون هذه العلاقة مستمرة حتّى ولو زالت الدولة  «وأمّا بعد انقراض الدّولة المشيّدة للمدينة فإمّا أن يكون لضواحي تلك المدينة وما قاربها من الجبال والبسائط بادية يمدّها العمران دائما فيكون ذلك حافظا لوجودها ويستمرّ عمرها بعد الدّولة كما تراه بفاس وبجاية من المغرب وبعراق العجم من المشرق».

اقرأ أيضاً

شارك الخبر

القائمة

موقعنا يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك أثناء التصفح